كلمة سماحة الشيخ حاتم البكري وزير الأوقاف والشؤون الدينية

كلمة سماحة الشيخ حاتم البكري

وزير الأوقاف والشؤون الدينية

انطلاقاً من حرص الحكومة الفلسطينية على حفظ مكانة الدين، وإبعاده عن الاستخدام من قبل الاتجاهات السياسية التي تحاول الذهاب به بعيداً عن وسطيته واعتداله، عمدت إلى وضعه في المكان اللائق به والمؤهل لإدارته لما له من أهمية في حفظ نسيج المجتمع من خلال وضع القيم والأخلاق والتشريعات اللازمة لهذا الهدف. ولذا حرصت على "هيكلة الحقل الديني" في فلسطين والذي كان موزعاً على أكثر من دولة، بداية من خلال تحديد المؤسسات الدينية الرسمية التي يجب أن تقود هذا الحقل والتي توزعت إلى ثلاث مؤسسات، الأولى: وهي وزارة الأوقاف والشؤون الدينية؛ وهي تُعنى بالخطاب الديني والمساجد وتنفيذ ما يتعلق بأركان الإسلام الخمسة، والثانية: دار الإفتاء؛ وهي تُعنى بالرد على تساؤلات المواطنين او الجهات الرسمية فيما يعترضهم من تحديات تحتاج إلى رأي الشرع الشريف، والثالثة: القضاء الشرعي "ديوان قاضي القضاة" ويتبع له "المجلس الأعلى للقضاء الشرعي"؛ وهي التي تُعنى فيما يتعلق بقانون الأحوال الشخصية والمعاملات الشرعية.

إن الحكومة الفلسطينية وهي تُعدُّ قوانينها الدستورية وضعت نصب عينيها أهمية "الدين الرسمي" في تشكيل مرجعية ضابطة لهذا الشأن الهام في حياة المواطنين الفلسطينيين المسلمين والذي يشكل غالبيتهم العظمى تعداد سكان فلسطين وفق التعداد الأخير، خاصة في تشكيل رؤاهم وتوجهاتهم الدينية والتي أصبحت أكثر أهمية في الفترة ما بعد العام 2007م، وفق رؤى الإسلام الوسطية والمعتدلة والحامية للنسيج الوطني الفلسطيني، لقد شعرت الحكومة لفلسطينية بأن وجود فراغ تشريعي ومؤسساتي ديني في الدولة سيشكل مادة غنية للقوى والتيارات الدينية غير الرسمية والتي تمزج بين الدين والسياسة الحزبية ضيقة الأفق، والمانعة للحوار، لتسد هذا الفراغ برؤاها ومواقفها.

لقد سعت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية ومنذ نشأتها إلى نشر الخطاب الوسطي والمعتدل بما هو الإسلام الحقيقي والصحيح مستندة في ذلك على القرآن الكريم والحديث الشريف، وبما ينسجم مع رؤيتها التوعوية التي تخدم القضية الوطنية، وتعزز قيم التكافل والتعاضد، وتحارب كل ما هو سلبي في المجتمع

كما عملت وزارة الأوقاف على صون وحماية بيوت الله تعالى وتفعيل دورها في المجتمع، وتقديم كافة الخدمات الدينية من خلال رفع مستوى كادرها وتطوير قدراته وأدائه باستمرار.

 انطلاقاً من هذا المفهوم رسمت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، من خلال إداراتها ومؤسسات الاختصاص داخلها، معالم مستقبلها من خلال إستراتيجية شاملة يكون من شأنها أن تعزز الدور الذي يمكن أن تلعبه في ريادة التوجيه الديني في البلاد على المستوى الحكومي الرسمي، وتنسيق جهود هذا التوجيه على المستوى الشعبي والتطوعي وبلورتهما في صورة مؤسسية، يكون على رأس سلم أولوياتها التناغم مع كافة مؤسسات الدولة والمساهمة في تحقيق رؤية الحكومة في بعدها التنموي الاجتماعي من خلال إداراتها الفاعلة كالأملاك الوقفية وصندوق الزكاة الفلسطيني، ووحدة الاستثمار، والتعليم الشرعي بكلياته ومدارسه، بالإضافة إلى الإدارة العامة للحج والعمرة وغيرها من الإدارات الفاعلة.

وتنطلق وزارة الأوقاف من مجموعة من الاعتبارات والقواعد في صياغة الخطاب الديني الوسطي:

أولاً: اعتبار أن القيام على أمر التوجيه الديني هو من المهام الملقاة على عاتق وزارة الأوقاف والشؤون الدينية: فالوزارة هي الجهة الرسمية المعنية بالتخطيط والتنظيم والتنفيذ والإشراف والقيام بمهمة الدعوة والتوجيه الديني من حيث تفعيل الآليات والتأكد من أنه يُمارس ضمن ضوابط لا تخالف الشرع، ولا تعاكس الفطرة، ولا تخل بلحمة المجتمع الفلسطيني وأمنه واستقراره، ولا تخدم حزباً معيناً بل تخدم الوطن ضمن الرؤى الدينية الرسمية.

ثانياً : تعزيز وسطية الإسلام شعارا وممارسة: فقد حرصت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، ومنذ تأسيسها على أن يمثل شعار ( الأمة الوسط ) واقعاً في تعاملها، وحاكما لقراراتها، ومهيمنا على ترتيب علاقة المجتمع الفلسطيني داخلياً، وبالمجتمعات الأخرى، وذلك لأن الوسطية كانت وستظل هي السمة الغالبة في طبيعة المجتمع الفلسطيني قديما في شعائره التعبدية، وأطروحاته الفكرية، وممارساته الاخلاقية، وعلاقاته المجتمعية، وزيادة الوعي الاجتماعي الحقيق ومعالجة العديد من الآفات الاجتماعية التي تنخر جسده مثل المخدرات، والمواقع السيئة فكرياً وأخلاقياً، وظاهر القتل والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة وحرمة الدم، وما إلى ذلك، ..الخ

وتؤكد وزارة الأوقاف والشؤون الدينية حرصها على أن يكون هذا الطرح الوسطي هو المهيمن على غاياتها، والموجه لبرامجها الدينية، والمحرك لأنشطتها فإنها تعمل وبشكل حثيث على تحديد منهج علمي لمفهوم الوسطية الذي نعنيه، ومعنى الوسطية الذي نتبناه، ومظاهر الوسطية التي ننشدها، وذلك لتعميمها على أبناء شعبنا الفلسطيني حتى يكون محصَّناً ضد خطابات الكراهية والتكفير، وحامياً لشبابنا من الوقوع ضحية للفساد الأخلاقي والسياسي، والاستغلال من كافة جوانبه، وكذلك تحصين الأسرة الفلسطينية، وحماية المجتمع من كل مظاهر العنف والانحلال.